الحصار الأول - الثورة السورية
الحصار الأول — ريف الشام بين القصف والمعاناة الإنسانية
مع دخول الحراك السوري عام 2012 مرحلة تصاعدية تحولت منطقة ريف الشام إلى بؤرة إنسانية وسياسية محورية
لم تعد المواجهة مجرد ساحة احتجاجات بل أصبحت مواجهة يومية من نوع آخر:
حصار يؤدي إلى نقص الغذاء والدواء
إغلاق طرق الإمداد
وعمليات قصف متكررة تستهدف البنى المدنية
في هذا السياق تجلّت معاناة المدنيين وتبلورت استراتيجيات المقاومة المجتمعية
أولاً :: الحصار كأداة حرب :
الحصار الذي فُرض على العديد من بلدات وقرى الريف (بأشكال محلية متفاوتة بين إغلاق طرق ومحاسبة ومنع دخول الإمدادات)
كان وسيلة مدروسة من النظام لتفتيت قدرة المجتمع على الصمود.
الحصار لم يكن عشوائياً .. بل ارتبط بتخطيط أمني هدفه قطع الغذاء عن السكان - إجبار المدنيين على النزوح - وخلق ضغط نفسي واجتماعي يسهّل عمليات القمع لاحقاً
تبع ذلك انعدام شبه كامل لخدمات الطوارئ، وازدياد الأمراض غير المعالجة
ثانياً :: القصف وتدمير البنية المدنية :
القصف المتكرر على الأحياء السكنية - المدارس - والمستوصفات لم يكن تبادل نيران بل كان قصف من جهة واحدة من نظام وحشي ضد مدنيين أبرياء لديهم قضية كرامة وحرية ..
ذلك القصف كان رسالة واضحة من نظام الأسد :: ثمن البقاء على الحراك هو تدمير حياتك اليومية.
أثر هذا التكتيك كان مزدوجاً : أولاً محاولة ضرب روح الثورة بجعل الحياة صعبة للغاية
وثانياً إحداث نزوح داخلي كبير وخلق أزمة إنسانية تستنزف الموارد المحلية والدولية
ثالثاً : استجابة المجتمع المدني: آليات البقاء والابتكار الميداني:
في مواجهة هذا القمع ابتكر سكان الريف آليات للبقاء :
شبكات توزيع الغذاء المحفوظ محليا - مخابز ميدانية - عيادات طبية بدائية تعمل بمتطوعين - ولجان تنسيق محلية تدير شؤون الإغاثة والإنقاذ
هذه الآليات ليست مجرّد حلول فنية إنها تعبير سياسي عن رفض الخضوع وعن قدرة المجتمع المدني على التحول إلى منظومة إنقاذ بديلة تُبقي النسيج المجتمعي حياً وتؤكد على كرامة الناس رغم المعاناة.
رابعاً : التأثير على الخطاب الدولي والإنساني:
مع تكثيف سياسات الحصار والقصف ازدادت التقارير الدولية التي توثّق انتهاكات حقوق الإنسان
وبرزت منظمات حقوقية وأممية تطالب بوقف شامل للأعمال العسكرية وفتح ممرات إنسانية.
لكن هذا الضغط الدولي لم يترجم فورياً إلى حماية فعّالة على الأرض ما كشف عن فشل جزئي لمنظومة الحماية الدولية أمام آلة قمع منظّمة.
خامساً : البُعد السياسي للاستهداف:
استهداف ريف الشام لم يكن عشوائياً فقد تزامن مع محاولات النظام كسر أي نموذج بديل للحكم المحلي
النتيجة كانت محاولات ابتلاع المساحات المدنية بالترهيب وخلق واقع من الاعتماد على مصادر خارجية أو نزوح دائم نحو المدن أو الحدود
تحياتي
د.سهام سوقية
